وأكد صندوق النقد الدولي أن السعودية تواجه الأزمة المالية العالمية الحالية بأساسيات اقتصادية أقوى مما كانت عليه في فترات الهبوط الاقتصادي السابقة، إذ عملت حكومة المملكة في السنوات الأخيرة على تعزيز مركزها الاقتصادي الكلي وتقويه قطاعها المالي وتنفيذ إصلاحات هيكلية لدفع عجلة النمو بقيادة القطاع الخاص، وشدد على أن الجهاز المصرفي استطاع تجاوز الأزمة، ولا يزال محتفظاً بمستويات ربحيته ورسملته المرتفعة، مع الحفاظ على نسبة منخفضة من القروض المتعثرة.
وشدد الصندوق في تقرير أصدره في ختام مشاورات المجلس التنفيذي للصندوق مع المملكة على أن «جهود المملكة في تعزيز مركزها الاقتصادي لم تمر مروراً غير ملحوظ، إذ توجت بتبوئها المرتبة الأولى على مستوى البلدان العربية لأربع سنوات متتالية والمرتبة الـ 16 على مستوى العالم في آخر عدد من تقرير ممارسة أنشطة الأعمال الذي يصدره البنك الدولي».
"ساما" تتصدى لتزايد التضخم
وتصدت مؤسسة النقد العربي السعودي لتزايد التضخم في النصف الأول من عام 2008 وتداعيات الأزمة العالمية في النصف الثاني، وجاء رد فعلها حاسماً بخفض مستوى الاحتياط الإلزامي وسعر الفائدة على أدوات السياسة النقدية، وتوفير السيولة وتقديم الضمانات على الودائع. وعلى الرغم من تباطؤ الائتمان في الربع الرابع من العام فقد حدث نمو في النقود بمعناها الواسع والائتمان المقدم من القطاع الخاص بنسبة 18 في المائة و 27 في المائة على الترتيب. واستطاع الجهاز المصرفي تجاوز الأزمة العالمية ولا يزال محتفظاً بمستويات ربحيته ورسملته المرتفعة، مع الحفاظ على نسبة منخفضة من القروض المتعثرة.
وسجلت سوق الأسهم هبوطاً نسبته 46 في المائة من عام 2008، ما أفقدها نصف قيمتها، ولا تزال الآفاق إيجابية بشكل عام، ومن المتوقع أن يزداد نمو إجمالي الناتج المحلي غير النفطي (وهو المقياس المناسب للنشاط الاقتصادي الداعم لفرص التوظيف الجديدة في البلدان المصدرة للنفط) بنسبة 3.3 بالمائة في العام الحالي 2009، يدعمه موقف السياسة المالية العامة التوسعي، غير أن انخفاض الإنتاج النفطي يمكن أن يحدث انكماشا قدره واحد في المئة تقريباً في إجمالي الناتج المحلي الكلي للمرة الأولى منذ عام 1999.
ورجّح التقرير تراجع معدل التضخم إلى نحو 4.5 في المائة مع تحقيق فائض في المالية العامة والحساب الخارجي - وإن كان بمستويات أقل بكثير من الفوائد السابقة - نتيجة لهبوط الإيرادات النفطية وموقف السياسة المالية العامة التوسعي، مشيراً إلى أن التوقعات الحالية تتعرض لبعض المخاطر المعاكسة التي ترتبط بمدى سرعة وعمق التعافي الاقتصادي العالمي وعودة الأسواق المالية العالمية إلى أوضاعها الطبيعية.
وتواجه السعودية الأزمة العالمية الراهنة من موقع قوة، ما يعكس سجل أدائها القوي في مجال السياسات الاقتصادية الكلية الرشيدة والإصلاحات الهيكلية التي عززت قدرة الاقتصاد على الصمود في مواجهة الصدمات، وعلى رغم أنه من المتوقع حدوث انكماش طفيف في إجمالي الناتج المحلي الحقيقي خلال عام 2009 تأثراً بانخفاض الطلب على النفط، فلا يزال القطاع غير النفطي يتوسع بقوة، كما يواصل معدل التضخم تراجعه المستمر. وأهم التحديات التي تواجه اقتصاد المملكة على المدى القصير هي الحفاظ على استقرار القطاع المالي وتخفيف حدة تأثير الركود العالمي على السوق المحلية.
المملكة تبذل جهوداً لتقوية أطر التنظيم والرقابة المالية
واتخذت المملكة تدابير عدة منها: تعزيز السيولة المصرفية وتحقيق الاستقرار في سوق المعاملات بين البنوك، كما بذلت جهوداً لتقوية أطر التنظيم والرقابة المالية، بما في ذلك التدابير التي اتخذت لتحسين نظم إدارة المخاطر في البنوك، وتنفيذ بقية التوصيات التي خلص إلى برنامج تقويم القطاع المالي، وكذلك تقويم إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب التي ساعدت الجهاز المصرفي على الاحتفاظ بمستويات ربحية ورسملته المرتفعة. وحثّ التقرير الحكومة السعودية على توخي اليقظة المستمرة في رصد أي مخاطر ناشئة والتحرك لمواجهتها، وشدد على أهمية إجراء اختبارات دورية لقياس قدرة النظام المصرفي على تحمل الضغوط، كما شجع الحكومة على تحديث الإطار المعتمد في تسوية أوضاع المؤسسات المالية وغير المالية، وتحقيق مزيد من التقدم في تعزيز الشفافية والإفصاح في قطاع الشركات، ومراجعة الآليات المؤسسية للرقابة عبر الحدود وعبر القطاعات.
وتعتبر سياسة المالية العامة، بحسب التقرير، وسيلة أساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي والنمو غير النفطي، وثمن التقرير التحرك الحاسم الذي بادرت به الحكومة من خلال المالية العامة لتخفيف أثر الركود العالمي على النشاط الاقتصادي، إذ كانت الدفعة التنشيطية «وهي الأكبر على مستوى مجموعة العشرين من حيث نسبتها إلى إجمالي الناتج المحلي»، تركز بشكل ملائم على الإنفاق الرأسمالي، وستسهم في تنويع مصادر النمو المحلي وتعافي الاقتصاد العالمي. وشدد على ضرورة توخي المرونة في إدارة سياسة المالية العامة لتأمين استمرار أوضاعها على المدى المتوسط مع تعديل الإنفاق متى أصبح التعافي راسخاً.
تصفح المقالات المتعلقة بهذا الموضوع
مدحت الشهيدي

