تسويق مدينة!
العالم كله اليوم يعرف دبي، والتي أصبح اسمها مرادفاً للاقتصاد والسياحة والخدمات الراقية والرفاهية. ولكن هل هذه السمعة التي وصلت إليها هي نتاج مجاني؟.. بالطبع لا. فوراء ذلك عملية تسويقية يقودها محترفون. والتسويق يحتاج إلى الكثير من التخطيط والدراسات والنظرة الاحترافية ويحتاج إلى الدعم المالي. ولكن ضخ الأموال في الجانب التسويقي يجب أن يعتمد على قناعة تامة بأهميته ومعرفة وافرة بكيفية إدارته وتطويره، وتحضير الأرضية المناسبة للانطلاق منها. فالمناخ الاقتصادي المنفتح والجاذب يغني التسويق، ولكنه ليس كل شيء. وبنفس الوقت فإن التسويق يساهم في تعزيز النشاط التجاري وتطويره وتدعيم نموه، ولكنه أيضاً ليس كل شيء.
وعلى الرغم من أن النشاط التسويقي ما يزال مهملاً في الدول العربية، إلا أن الاهتمام به تزايد خلال السنوات الأخيرة. قبل سنتين مثلاً، وعندما كنت تريد أن تبحث عن مفهوم التسويق باللغة العربية من خلال محرك البحث "غوغول"، فمن المؤكد أن ظنك كان يخيب. أما اليوم، فهناك الكثير من المبادرات الشخصية لنشر مفهوم التسويق ومحاولة التمييز بينه وبين المفاهيم المرتبطة به. وإذا كان عدد نتائج البحث قد ارتفع مقارنة بالسنين الماضية، فإن ذلك يدل على تزايد الاهتمام بأهمية هذا المجال وما يتضمنه من آليات كالبيع والإعلان والترويج وغيرها.
والقيام بالترويج باستخدام الإعلان لا يكفي ما لم يكن هنالك اهتمام كامل بالسياسات والتي ترتبط بشكل مباشر بسياسة الدولة وبثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده ومدى قدرتها على التأثير والتأثر وتقبل الجديد والمفيد بغض النظر عن مصدره.
ومن المهم جداً أيضاً عدم الركون إلى العادات السائدة دون السعي إلى محاولة التغيير وإيجاد أنماط جديدة تساعد المنتج على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستهلكين أو تغيير صورته في تفكيرهم. وكل ذلك يتطلب بالطبع منتج جيد بسعر مناسب ويحقق الفائدة للمستهلكين ويتميز بسرعة وسهولة وصوله إليهم، إضافة إلى إجراء البحوث التسويقية للتعرف على المستهلكين ودراسة فئاتهم وخصائصهم وأنماطهم الاستهلاكية ورغباتهم واحتياجاتهم وتوقعاتهم وما يتطلعون إليه مع الأخذ بعين الاعتبار متغيرات السوق، بالشكل الذي يجعل الرؤية واضحة أمام محترفي البيع والإعلان والترويج للقيام بدورهم بالشكل المطلوب.
دبي تعاملت مع التسويق كاستثمار. وعلى الدول والمدن والشركات النظر إليه كذلك، لا باعتباره إنفاق ضائع أو إنفاق ينتظر نتائج فورية.
"دبي.. أرض ما بعد غد"
عشية زيارة حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى ألمانيا، كان غلاف مجلة "دير شبيغل" الألمانية يحمل معالم دبي. "دير شبيغل" والتي تعني "المرآة" باللغة العربية، هي مجلة إخبارية أسبوعية تحظى بسمعة واسعة في ألمانيا، كما تنقل عنها الكثير من الصحف والتلفزات العالمية، لذا فهي لن تجامل دولة الإمارات، بل تتحدث وتطرح الوقائع بشكل موضوعي، وهو ما كان جلي بالأسئلة التي تم توجيهها إلى وزيرة الاقتصاد الشيخة لبنى القاسمي والتي تحدثت عن الجانب الاقتصادي لدولة الإمارات العربية المتحدة، وتناولت فيه الكثير من النقاط التي تتعلق بالجانب الاقتصادي والبيئة الاستثمارية والسياحية. واختارت الصحيفة عنواناً للملف الذي أفردته عن مدينة دبي يقول: "دبي.. أرض ما بعد غد" أو ما يمكن ترجمته "دبي.. أرض المستقبل".
تنويع الاقتصاد
التركيز على مدينة دبي وتخصيص العديد من البرامج المتلفزة عنها أصبح من الأشياء المعتادة في القنوات التلفزيونية الأجنبية، حيث لا ينطلق ذلك من فراغ، بل يأتي نتيجة للنهضة الاقتصادية التي تشهدها المدينة.
فخلال السنوات الماضية أصبحت دبي مقراً للأعمال المصرفية والتمويل والتأمين، والمعلومات وتكنولوجيا الاتصال والصناعات المتنامية، ومركزاً للنقل والتوزيع، ومركزاً للاجتماعات والمؤتمرات والمعارض السياحية. واستطاعت الاستفادة من الاستثمار في النقل والاتصالات اللاسلكية والطاقة والبنية التحتية، وأصبحت تمتلك العديد من المناطق الصناعية والمناطق الحرة وموانئ متطورة ومطارات ومناطق مخصصة للشحن إقليمية ودولية، ناهيك عن الفنادق العالمية الكبرى والأبراج والمكاتب الفاخرة ومراكز التسوق والترفيه، ووكالات الإعلان والدعاية والعلاقات العامة وغير ذلك الكثير.
ومن الملاحظ أن دبي تحرص على تنويع اقتصادها والابتعاد عن الاعتماد على عائدات البترول، وتسعى إلى الاستفادة من الكثير من المزايا التي تتصف بها، رغم أن ما تتصف به دبي من مقومات طبيعية يمكن أن يكون قليلاً مقارنة بما لدى الكثير من المدن!
فإذا نظرنا مثلاً إلى الموقع الاستراتيجي، فإننا نرى أن الكثير من المدن تتمتع بموقع استراتيجي مميز، لكن الفارق أن دبي تعرف جيداً كيف تستفيد من هذا الموقع في خدمة علاقاتها التجارية. وإذا نظرنا إلى ميزة الاستقرار السياسي، فإننا نرى أنها لا تقتصر على دولة الإمارات فقط، إلا أن دبي استطاعت الاستفادة من هذه الميزة أيضاً في دعم السياسات الاقتصادية.
وهذه السياسة الاقتصادية تدعمها عملية تسويقية، تسوق دبي كمدينة عالمية وكمدينة إقليمية، مدينة للعائلة ومدينة لرجال الأعمال، مدينة رياضية ومدينة تراثية، مدينة سياحية ومدينة للاستجمام والترفيه، وتُوجد لذلك المناخ الذي يتناسب مع كل خاصية.
يبقى أن تولي دبي اهتماماً جدياً بقضايا العمالة الوافدة وقضايا الخدم، وإيجاد نظام قانوني فاعل في هذا الصدد يضمن الحقوق لمختلف الأطراف، والعمل على إيجاد حلول ناجعة لمسائل الزحام المروري وغلاء الأسعار، والسعي إلى ممارسة الشفافية في مختلف الأعمال، فكل ذلك يؤثر بشكل أو بآخر على سمعة وتطور المدينة ومستقبلها التسويقي.
تصفح المقالات المتعلقة بهذا الموضوع
