وتكافح السعودية التضخم وضغوطه مع ازدهار الاقتصاد مدعوماً بزيادة أسعار النفط إلى نحو خمسة أمثالها منذ عام 2002 في ظل ربط عملتها الريال بالدولار الأميركي الضعيف الذي دفع أسعار بعض الواردات صعوداً.
وأظهرت بيانات إدارة الإحصاءات المركزية أن مؤشر كلفة المعيشة بلغ 111.7 نقطة في 31 يناير مقارنة مع 104.4 نقطة قبل عام. وزادت الأسعار 1.36 في المائة في يناير مقارنة مع مستواها في ديسمبر الذي بلغ معدل التضخم فيه 6.5 في المائة، مسجلة أعلى زيادة شهرية في تسع سنوات على الأقل.
وحاولت الحكومة السعودية مواجهة تأثير الأسعار الصاعدة على سكانها من خلال إجراءات بينها منح علاوات غلاء معيشة للعاملين في القطاع الحكومي وتقديم إعانات اجتماعية ودعم بعض الأسعار، لكن مثلها مثل بقية جيرانها في منطقة الخليج العربي فإن ربط الريال السعودي بالدولار الأميركي يرغم السعودية على أن تحذو حذو السياسة النقدية الأمريكية في وقت يخفض فيه مجلس الاحتياطي الاتحادي 'البنك المركزي الأميركي' أسعار الفائدة لتفادي انحسار اقتصادي.
وارتفعت أسعار المواد الغذائية التي تأثرت بزيادة الأسعار العالمية في يناير بنسبة 7.9 في المائة في يناير، وبحسب بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي 'البنك المركزي' استوردت السعودية في العام الماضي 25 في المائة من احتياجاتها السلعية من أوروبا و8.4 في المائة من اليابان و13.4 في المائة من الولايات المتحدة الأمريكية.
ويحد ربط الريال السعودي بالدولار من قدرة المملكة على مواجهة التضخم الذي ارتفع إلى مستوى قياسي بلغ 6.2 في المائة في ديسمبر إذ حقق التضخم في مدينة حائل - وسط البلاد أسرع معدل نمو بين مدن المملكة التي يبلغ عدد سكانها 25 مليون نسمة ليرتفع 8.1 في المائة في الربع الأخير، فيما بلغ متوسط التضخم في 16 مدينة 5.9 في المائة. كما ارتفع التضخم في الرياض التي يبلغ عدد سكانها نحو 4.3 مليون نسمة إلى 7.3 في المائة مقارنة مع 5.9 في المائة في الربع الثالث. وبلغ متوسط معدل التضخم في العام الماضي 4.1 في المائة مسجلاً بذلك أعلى مستوى له في 12 عاما. وبلغ متوسط التضخم في السنوات الخمس السابقة 0.8 في المائة فقط، علماً ان التضخم زاد في الطائف -غرب البلاد- بنسبة 7.4 في المائة، بينما ارتفع في نجران بنسبة 6.5 في المائة. كما صعد في بريدة -وسط المملكة- بنسبة 6.8 في المائة.
وكان وزير المالية السعودي الدكتور إبراهيم العساف قد أكد لأعضاء مجلس الشورى خلال جلسة استضافه فيها مجلس الشورى لمناقشة التضخم، أنه ليس من المصلحة خفض قيمة الريال أمام الدولار، مشيراً إلى أن قرار فك ارتباط الريال بالدولار "قرار اقتصادي لا سياسي"، لافتاً إلى أن المملكة ستبقي سياستها في مجالي النقد وسعر الصرف من دون تغيير في الوقت الحالي. ووعد بالتصدي للتضخم المرتفع في البلاد. وقال: "سيلمس المواطن الحلول التي تتبناها الحكومة لمواجهة التضخم، الذي سيتراجع معدله خلال الأشهر المقبلة.
من جهة أخرى، أكد تقرير مصرفي حديث أن ارتباط الريال السعودي بالدولار الأميركي سيحول دون معالجة التضخم عن طريق السياسة النقدية، وأن الخيار المتاح في مثل هذه الحالة هو السياسة المالية. وتتعلق السياسة المالية بمستوى الإنفاق الحكومي ومستويات الدعم، في حين أن السياسة النقدية تتركز في سعر العملة ومستويات الفائدة.
ولا يترك ارتباط الريال السعودي بالدولار إلا مجالاً محدوداً فقط لأدوات السياسة النقدية المتاحة للسلطات في سبيل كبح جماح المزيد من الارتفاع في الأسعار، وبالتالي فإن سياسة المالية العامة هي السبيل الوحيد أمام الحكومة للتأثير في إجمالي الطلب.
وعلى الرغم من أن المملكة العربية السعودية شهدت واحداً من أبطأ سجلات النمو في الشرق الأوسط، إلا أن الآفاق الاقتصادية الكلية تبدو متينة إلى حد كبير. وفي حال مواصلة القطاع الخاص دفع عجلة النمو، وتستمر مستويات الدين الحكومية في الانخفاض بسرعة، وتشير أسعار النفط التي لا تزال مرتفعة إلى المزيد من تكديس الاحتياطي, فأنه لا نتوقع أية تغييرات في نظام العملات الأجنبية في المملكة في الوقت الحاضر.
ووصلت معدلات التضخم في السعودية في الوقت الحالي، بحسب تقرير أصدره "دويتشه بنك، إلى مستويات لم يسبق لها مثيل، إذ إن ارتباط الريال السعودي بالدولار لا يترك إلا مجالاً محدوداً فقط لأدوات السياسة النقدية المتاحة للسلطات في سبيل كبح جماح المزيد من الارتفاع في الأسعار، فإن سياسة المالية العامة هي السبيل الوحيد أمام الحكومة للتأثير في إجمالي الطلب.
وعدّ محللون ماليون في تصريحات نشرت أن مؤسسة النقد السعودي نجحت خلال الفترة الماضية في المحافظة على سعر الريال مقابل الدولار في الربع الثالث رغم فارق أسعار الفائدة بين العملتين، الذي ارتفع خلال الربع الأخير من 2007 إلى 66 نقطة أساس لمصلحة العملة الأميركية مقابل 14 نقطة في الربع الثالث. وعزت المؤسسة هذا التباين إلى "السيولة الزائدة بالريال في النظام المصرفي المحلي ونقص في السيولة بالدولار في الأسواق العالمية بسبب أزمة الرهن العقاري في أميركا".
وقالت "ساما" إنها اضطرت إلى التدخل لتوفير الريال في الأسواق العالمية وشراء الدولار، لمواجهة التوقعات التي تذهب إلى احتمال رفع سعر صرف عملتها بالنظر إلى تهاوي قيمة العملة الأميركية مقابل العملات الرئيسة، وإنها عمدت إلى إجراء عمليات مقايضة النقد الأجنبي مع البنوك المحلية لعدة فترات تصل إلى ستة أشهر بهدف امتصاص السيولة الزائدة بالريال وتوفير الدولار في النظام المصرفي السعودي.
إقرأ أيضاً
إعادة التقييم هي الخطوة المنطقية التالية لمعالجة التضخم في الإمارات

تصفح المقالات المتعلقة بهذا الموضوع
مدحت الشهيدي



