وقام يونس بتأسيس بنك جرامين في بنغلاديش عام 1983 بعد أن باءت جميع محاولاته في تشجيع البنوك في مساعدة الفقراء. وحصل يونس وبنكه على جائزة نوبل للسلام وانتشرت فكرة القروض الصغيرة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط.
وبدئت برامج القروض الصغيرة في الشرق الأوسط من خلال بلدان مثل الأردن واليمن ولبنان. ووقع بنك جرامين اتفاقية مع الحكومة البحرينية لإنشاء "بنك الأسرة". إلا أن الفكرة بدأت تؤتي ثمارها بشكل ملحوظ في بنغلادش حيث أحدثت فرقاً في حياة أولئك الذين اقترضوا الأموال.
وحاول البنك في الأصل إقراض المال للرجال والنساء على قدم المساواة حتى يمكنهم البدء في أعمال تجارية صغيرة، مثل تربية الدجاج أو شراء المواد الخام لصنع المنتجات. لكنه سرعان ما أدرك أن المال الذي تقترضه النساء يعود بنفع أكبر على الأسرة مما لو اقترضه الرجال.
قروض للمرأة
وقال يونس متحدثاً في منتدى التمويل الإسلامي الدولي الذي انعقد في دبي هذا الأسبوع: "لقد بدأنا نشك في تقسيم القروض مناصفة بين الرجال والنساء. واعتقدنا أنه إذا كان الهدف هو مساعدة الأسرة فإن التركيز ينبغي أن ينصب على المرأة". وساعد البنك حتى اليوم 7.5 مليون مقترض، 97% منهم من الإناث. ويبلغ متوسط القروض 120 دولار تقريباً، إلا أن بعض القروض تصل لآلاف الدولارات. وقال يونس بأنه يمكن زيادة المبلغ طالما حقق المقترضون متطلبات البنك.
وفي الوقت الذي يشكك فيه المصرفيون بخطة عمله، تساعد سياسته القائمة في الحصول على دفعات أسبوعية صغيرة، عن طريق الذهاب إلى القرى لجمع الأموال، على تقليل احتمالية عدم الالتزام، حيث يصل معدل تسديد القروض إلى 98% مضافاً إليها فوائد بنسبة 20%. ويحصل المقترضون على مبالغ بسيطة أول مرة، ومن ثم يمكنهم اقتراض مبالغ أكبر بمجرد تسديدهم للقرض الأول. ولا يقوم البنك بملاحقة أي شخص يفشل في تسديد قرضه عن طريق القانون؛ إلا أنه يحرمه من الاقتراض مرة أخرى حتى سداد المبلغ الأصلي.
ورغم ارتفاع مستوى الفائدة، إلا أنه يتم احتسابها على المبلغ المقترض وليس على مدة التسديد. ولذلك يبقى المبلغ الذي يتوجب على المقترض سداده ثابتاً سواء قام بتسديده على ستة أشهر أو سنتين.
ويقول يونس إن نهجه للقطاع المصرفي يقوم على فهم الكيفية التي تعمل المصارف التقليدية بموجبها، والقيام بعكسها. ويستخدم بنك جرامين قائمة لضمان قيامه بإقراض الأشد فقراً.
"إذا كان هناك عائلة بحاجة إلى قرض وتملك أثاثاً في منزلها فيجب عليها الانتظار، لأننا نبحث عن أناس لا يملكون أثاثاً. وإذا كان السقف متيناً فينبغي الانتظار أيضاً لأننا نبحث عن أناس سقف تتسرب منه المياه" يوضح يونس.
ويضيف: "يقوم بنك جرامين بالأشياء كلها تقريباً بطريقة معاكسة [للبنوك التقليدية]. ونحن نقول بأنه كلما قلًت ممتلكاتك كلما زاد حجم القرض". وهذا يعني أن المقترضين ليسوا بحاجة لأي ضمانات قبل الحصول على قرض.
ويصف يونس شركته باعتبارها عملاً اجتماعياً بالأساس، وليس مسؤولية اجتماعية للشركة. إلا أن عمله يحتوي العديد من عناصر المسؤولية الاجتماعية التي تتبناها الشركات، والتي نقلت هذا المبدأ إلى مستوى جديد تماماً. فمعظم النساء اللواتي اقترضن الأموال كن أميات، ولم يرسلوا أولادهن إلى المدرسة في الغالب لأنهن لم يكن يستطعن ذلك، حتى بدأ برنامج تعليمي بين المقترضين.
برنامج المدرسة
يرى يونس إنه يجب على الأمهات إرسال أبنائهن إلى المدرسة، ولذا قام بتمويل ذلك من خلال البنك، حيث منح وبنكه 50.000 منحة دراسية السنة الماضية وحدها. ويستمر البنك بتمويل دراسة هؤلاء الأطفال إذا انتقلوا إلى مراحل التعليم العالي. ويقوم البنك حالياً بتمويل دراسة 21.000 طفل في مراحل التعليم العالي حيث يكمل بعضهم دراسته للحصول على شهادة الدكتوراه.
وبالنسبة ليونس، فإن الأمر ليس تقديم صدقة بل إعطاء الناس الأمل لبدء أعمال تجارية صغيرة تحدث فرقاً حقيقياً في حياتهم من خلال الحصول على القروض الصغيرة. ويمنح يونس الناس فرصة عن طريق الإصرار على تعليم أطفالهم ومنعهم من الوقوع في مصيدة الفقر مرة أخرى بمجرد وصولهم إلى سن البلوغ. وقال إن من بين الخريجين محامين وأطباء.
إلا أن مخططه تعرض للنقد. وكان أحد أكثر الاتهامات هو مساعدته للفقراء ممن لديهم مشاريع فقط، وهي تهمة يرفضها. ولإثبات قضيته بدأ بنكه بإقراض المال للمتسولين منذ أربع سنوات، حيث قام بتقديم القروض لأكثر من 100.000 متسول خضعوا لنفس شروط السداد. وتكمن الفكرة في تشجيعهم على بيع المنتجات من خلال الإقراض بدلاً من التسول، حتى يتمكنوا من تحسين ظروفهم. وبحسب يونس "تخلى حوالي 11,000 شخص في هذا البرنامج عن التسول وكانت معدلات سداد الديون مرتفعة".
وتفرع قسم جرامين للأعمال من البنك. وقام بتأسيس مشروع مشترك مع "دانون" للمساعدة في إطعام الفقراء. ويقوم المشروع على بيع لبن الزبادي المعلب الذي يحتوي على كامل العناصر الغذائية الضرورية. ورغم رخص سعره، إلا أن تناول كوبين منه في الأسبوع يعطي الناس العناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم. ويتم استثمار أي أرباح في نفس المشروع.
وقام بنك جرامين في مارس بتوقيع اتفاقية مع منظمة "فيوليا للمياه" لتوفير مياه الشرب النقية لأكثر المجتمعات فقراً. وشملت الأعمال الاستثمارية الأخرى "جرامينفون"، والتي باتت الآن اكبر شركة للهواتف المتنقلة في بنغلاديش مع 18 مليون مشترك. وقد صممت هذه الشركة لتوفير خدمات الاتصالات للفقراء.
ولأن الهواتف النقالة بحاجة للطاقة، فقد قام البنك بتأسيس شركة للطاقة الشمسية تدعى "جرامين للطاقة". وكانت الشركة تهدف لبيع 100 وحدة شمسية في الشهر، إلا أنها تبيع حوالي 5000 وحدة في الشهر - باستخدام معايير البنك للقروض الصغيرة التي تسدد على أساس أسبوعي. ولأن معدات الطاقة الشمسية بحاجة للصيانة، فقد قام بتدريب نساء للمحافظة على المعدات، يطلق عليهن اسم مهندسات الطاقة الشمسية المصدقات من قبل جرامين. ويمكن لهؤلاء المهندسات كسب العيش من خلال صيانة منتجات الشعب. ويمتلك يونس 26 شركة حتى الآن تعمل تحت اسم جرامين.
وأسس يونس أعماله لمساعدة الفقراء وليس لمجرد إعطاءهم النقود. ويكمن اعتقاده في أن إقراضهم المال يساعدهم على تطوير أنفسهم وله أثر طويل الأمد مما لو كانوا يعتقدون بأنها مجرد معونة. "إنها طريقة أخرى للنظر إلى العالم. وهي تكمن في تمكين الفقراء من تغيير عالمهم".
تصفح المقالات المتعلقة بهذا الموضوع
